ابن حزم

72

رسائل ابن حزم الأندلسي

سمعت يحيى بن مجاهد الفزاري الزاهد يقول : هذا كان أوان طلبي للعلم إذ قوي فهمي واستحكمت إرادتي . فقلت له : فعلّمنا الطريق ، لعلنا ندرك ذلك بوصاتك ، في استقبال أعمارنا قال : نعم كنت آخذ من [ كل ] علم طرفا ، فإن سماع الإنسان قوما يتحدثون وهو لا يدري ما يقولون غمة عظيمة ، أو كلاما هذا معناه . قال أبو محمد : ولقد صدق رحمه اللّه . فإذا بلغ الإنسان حيث ذكرنا ، أخذ في النظر في حدود المنطق وعلم الأجناس والأنواع والأسماء المفردة والقضايا والمقدمات والقرائن والنتائج ليعرف المرء ما البرهان وما الشغب ، وكيف التحفظ مما يظن أنه برهان وليس ببرهان ، فبهذا العلم يقف على الحقائق كلها ويميزها من الأباطيل تمييزا لا يبقى معه ريب . وينظر في الطبيعيات ، وعوارض الجو ، وتركيب العناصر ، وفي الحيوان والنبات والمعادن ، ويقرأ كتب التشريح ليقف على محكم الصنعة وتأثير الصانع وتأليف الأعضاء واختيار المدبر وحكمته وقدرته . فإذا أحكم ذلك في خلال ابتدائه بالنظر في العلوم فلا يكن منه إغفال لمطالعة أخبار الأمم السالفة والخالفة ، وقراءة التواريخ القديمة والحديثة ليقف من ذلك على فناء « 1 » الممالك المذكورة ، وخراب البلاد المعمورة ، ودثور المدائن المشهورة التي طالما حصّنت وأحكمت مبانيها ، وذهاب من كان فيها وانقطاعهم ، وتقلب الدنيا بأهلها ، وذهاب الملوك الذين قتلوا النفوس وظلموا الناس واستكثروا من الأموال والجيوش والعدد ليستديموها لهم « 2 » ولأعقابهم فما دامت « 3 » لهم ، بل ذهبوا وانقطعت آثارهم ، ورحل بنوهم وضاعوا ، وبقي ما تحملوا من الآثام والذم والذكر القبيح لازما لأرواحهم في المعاد ولذكرهم في الدنيا ، فيحدث له فيها بذلك زهد وقلة رغبة ، وليشرف على اغترار الملوك بها ، لعظيم الحسرات ؟ ؟ النازلة بهم وبمخلفيهم ، وليقف على حمد المتقين الأخيار للفضائل فيرغب فيها ، ويسمع ذمهم للرذائل فيكرهها . ويوفي على

--> ( 1 ) ص : خنا . ( 2 ) ص : ليستدموا ما هم ولا . ( 3 ) ص : دام .